التنافر والتجاذب في العلاقات الشخصية
لفضيلة الشيخ محمد صالح المنجد
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أيها الإخوة .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أولا: أعتذر إليكم عن شيء أرجو أنه لا ذنب لي فيه، ولعل اللبس الذي حصل في كيفية الإتيان إلى هذا المكان، فاضطررت أن آتي إليه وأنا لا أعلم مكانه، وهذه المحاضرة كما ترون أظن الوقت الآن ليس بمتسع لأن نأتي عليها ولكنني سأتكلم معكم عن موضوع أرجو أن يكون فيه خير لي ولكم وفائدة إن شاء الله. هذا الموضوع أيها الإخوة يدور حول فقرة من الفقرات التي تضمنها حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في دلائل الإيمان وهذه الفقرة هي قوله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح:' وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله '،
وهذه القضية أيها الإخوة تتكون من شقين أريد أن أتناولهما بالكلام معكم في هذه الليلة.
الشق الأول: التنافر الذي يحدث بين النفوس عندما تتقابل في وسط واحد.
الشق الثاني: التجاذب الذي يحدث بين بعض النفوس عندما تتقارب في وسط واحد.
من أكثر المشاكل التي تواجه فريضة الأخوة في الله في واقعنا ما يحدث بين بعض الشباب من التنافر أو التجاذب ولكل منهما إيجابيات وسلبيات. التنافر طبعا لا خير فيه، ولكن التجاذب هو الذي أقصد بكلامي أن فيه إيجابيات وفيه سلبيات، ونظرًا لكثرة المشاكل الحادثة في هذا الموضوع نريد أن نسلط عليه بعض الضوء.
أما التنافر أيها الإخوة فإنه يكون لأسباب منها: ضعف الإيمان، ولذلك تجد أنه لو التقى أخَوَان شابّان مثلا اثنان أو اثنتان في وسط واحد فحدث بينهما تنافر، فإن هذا التنافر وهذا الكره الذي يكون في نفس كل واحد منهما أو نفس واحد منهما له أسباب،
أنت عندما تنفتح على مجموعة من الناس، تدخل مثلا مركزًا من المراكز الصيفية أو مدرسة من المدارس أو مجتمع من المجتمعات، فإنك تحس بالقرب من أناس وبالابتعاد عن أناس آخرين. بعض الناس لأدنى سبب من أسباب الابتعاد فإنه يهجر أخاه ولا يبالي بحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ' لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث...' فهناك الآن من الناس من يظن أو يُحسب على قائمة المتمسكين بهذا الدين قد هجر أخًا له أو صاحبًا ليس في ذات الله، وإنما لهوىً يحدث في نفسه.
فمثلا يحدث بينهما اختلاف في وجهة نظر حول قضية من القضايا، كيف نطبق أمرًا من الأمور أو كيف نسلك سبيلا لحل مشكلة ما، فيكون هذا الخلاف في الرأي مفسدا للود مفرقًا لهذا الإخاء الذي من المفترض أن يكون في النفوس، مع أن السبب تافه في بعض الأحيان، يكون الشيء يسيرًا جدا لكنه يولد مفسدة عظيمة من الرقة والاختلاف.
أحيانا كما قلت يكون السبب ضعف الإيمان في نفس أحدهما أو كلاهما.
الأرواح جنود مجندة وأهل الإيمان يلتقون وينجذب بعضهم إلى بعض ولو كانوا لا يعرف بعضهم بعضا. أليس يحدث أيها الإخوة أحيانا في موسم الحج مثلا أن تلتقي بأخٍ لك من باكستان أومن الهند أو من إندونيسيا أو من ليبيا أو من أوربا، فيحدث أثناء الكلام- عندما تستمع ماذا لديه- انجذاب فيما بينك وبينه بسبب الأخوة الإيمانية الحاصلة.
إذا ضعف الإيمان عند أحدهما فإنه لن ينجذب إلى الآخر الذي قَوِي إيمانه في بعض الأحيان، لأنه في بعض الأحيان الأخرى قد يحبه من باب أن يستفيد منه أو يقتدي به أو أنه يجده ضالا ومنقذًا له من حمأة المجتمع السيء الذي يعيش فيه. فالآن لو أن إنسانًا لاحظ أن بينه وبين أخيه نوع من التنافر، عليه أن يبحث عن السبب، ما هو السبب، قد يكون السب ضعف في الإيمان هو الذي أدى إلى هذا التنافر بينهما، لو قوي الإيمان لارتفع هو وأخوه فوق مستوى الخلافات في الآراء وفوق مستوى النزغات التي ينزغها الشيطان، لذلك يقول الله – عز وجل - :' وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم'. سورة الإسراء – آية 53.
هناك نزغات يحدثها الشيطان في نفس كل واحد منهما ،
من الأسباب مثلا:
سوء الظن، فترى واحدًا من هذين الأخوين مثلا عندما يرى تصرفًا من أخيه يقول: هذا ما عمل هذا التصرف إلا ليضرني أو هذا ما تقدم علي بالكلام في المجلس إلا لكي يعزلني على جنب ويستلم هو صدارة المجلس ويكون هو المتحدث الرسمي باسم الدين مثلا في ذلك المجلس، ويقول: أخذ عني الوقت كله لم يترك لي فرصة للكلام لماذا؟ إذن هو يريد أن يجعلني إنسانا لا قيمة له بين هؤلاء الجالسين، وقد يكون الشخص الأول قصده طيب، رأى نفسه منطلقًا في الكلام ورأى الحاضرين يتأثرون بكلامه فجلس يتحدث ويتكلم ولم يخطر بباله لحظة واحدة أن يقصد بإطالة الكلام أن يجعل ذلك الشخص معزولا منبوذا عن هذا المجلس، يأتي الشيطان فيسول لهذا الشخص، ما قصد بهذه الحركة إلا كذا، وهذا كثير. مثلا يحدث تصرف من التصرفات: كلمة يقولها واحد لآخر فيسمعها الشخص المقصود الذي يسيء الظن فيفسرها كل التفسيرات السيئة إلا التفسير الحسن الذي قد يكون هو القريب من الواقع فعلا. ولذلك نبه الله – عز وجل – المؤمنين إلى هذه المسألة في سورة الحجرات: ' إن بعض الظن إثم ' سورة الحجرات – آية 12؛ لأن هناك ظنّا شرعيًا مثل غلبة الظن الذي تبنى عليه كثير من الأحكام الشرعية: مثل أن الإنسان عندما يرجح في الصلاة أن التي صلاها أربعا وليست ثلاثا، فإنه لا يأتي برابعة ( ركعة زائدة) وإنما يبني أو يعتمد على ما غلب على ظنه من رجحان أن تكون التي أتى بها هي الركعة الرابعة فلا يزيد.
هذا الآن ليس موضوعنا. وإنما موضوعنا عن ظن سيء يقوم في بعض النفوس من أمثلته: تفسيرات سيئة لبعض الكلمات والتصرفات تسبب التنافر والابتعاد.
أحيانا يكون سبب التنافر غير شرعي أيضا مثل أن يقول: عن فلان منظره ليس جميلا أو أن هندامه ليس أنيقا أو أن مركزه ليس وثيرا وهكذا. فيحدث نوع من التباعد وخصوصا عندما يكون الإنسان من طبقة اجتماعية معينة فيها غنى أو ثراء، فإنه تراه يحس نحو بعض الذين دونه في الطبقة الاجتماعية ودونه في الغنى والثراء أنهم بعيدون عنه وأنه فوق وأن هؤلاء تحته بمنازل، كيف يمكن أن تحدث الأخوة في الله بين الذي ينظر هذه النظرة المادية. ولذلك ترى بعض الناس يتقاربون ممن هم في طبقتهم الاجتماعية في الغنى والثراء تقاربًا زائفًا، قد يبدو في الظاهر أنه أخوة في الله لكنه ليس أخوة في الله. هذا السبب من أسباب التنافر وهو النظرة المادية، أيضا من الأشياء التي يجب أن تعالج في النفس، ومجتمع الرسول – صلى الله عليه وسلم – من عظمة هذا المجتمع - أنك تجد فيه أثرى الناس وأفقر الناس يجتمعون مع بعضهم البعض، يقاتلون صفًّا واحدًا، ويحضرون مجالس العلم المختلفة، لا يأنف عبدالرحمن بن عوف أن يجلس بجانب بلال وهكذا. لكن عندنا الآن في مجتمعاتنا قد يحدث هذا، وقد يرى بعض المتفوقين دراسيًا أنهم أرقى عقولا أو أذهانًا أو قوة في التفكير من أناس آخرين من البسطاء المتخلفين في الدراسة فيجب كيف يمشي مع هذا الشخص، لابد أن يمشي مع أشخاص متفوقين دراسيًا، ولذلك فهو يبتعد عن الضعفاء. والرسول – صلى الله عليه وسلم – بيّن كما ورد في صحيح البخاري: ' أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم'. أحيانا في بعض الأنشطة الإسلامية بعض الشباب يحتقر أناس من البسطاء الموجودين في هذا النشاط، وقد يكون هؤلاء البسطاء هم السبب أو من الأسباب الكبيرة في توفيق الله لهذا النشاط الإسلامي، لأن الله مع الضعيف، لماذا يستجاب دعاء المظلوم، لماذا يستجاب دعاء المسافر، لماذا يستجاب دعاء المريض، لأن الذي يجمعهم هو الضعف الذي يحصل لهم بسبب وجودهم في هذه الحالات التي سببت ضعفهم. المسافر في غربة ومشاقة السفر فيه ذلة، المريض أيضا فقد صحته وهو يرى الأصحاء فيه نوع من الذلة والمسكنة، المظلوم مقهور مغلوب فيه نوع من الذلة والمسكنة؛ ولذلك يستجاب لهم كما بيّن ابن القيّم – رحمه الله – في تحليل رائع لهذه النقطة في مدارج السالكين. إذن تنافر بعض الشباب عن الآخرين بسبب تفوقهم عليهم في بعض النقاط المادية سبب ليس بشرعي للتنافر ولا للإعراض والهجران. ويجب أن تتلمس هذه الأسباب في النفوس، وكل واحد منا مسئول عن النزعات التي تقوم في نفسه.
أحيانا يكون سبب التنافر حب الرياسة، وهذا سبب دقيق وهي الشهوة الخفية التي جاء التعبير عنها في بعض الآثار. هذا يريد أن تكون له القيادة والريادية وأن يجمع في يده أكبر عدد ممكن من المسئوليات، وقد يكون هذا صاحب شخصية قوية، والشخصيات القوية في الغالب تنزع هذا المنتزع. وعندما يجتمع مجموع من الناس في وسط ما فإن الأمر لا يخلو من أن يوجد أكثر من واحد صاحب شخصية قوية، وأكثر من واحد يريد أن تكون له القيادة ويريد أن يكون هو الذي يوجه ويسيّر دفة الأمور.والعادة أن هذه الشخصيات لا تتنازل بسهولة عن آرائها، ولا ترضى بسهولة أن تطبق فكرة شخص آخر، وعندما يجتمع اثنان على الأقل من هذه النوعية - كل منهما يريد أن تكون له الكلمة – يحدث بينهما تنافر وابتعاد، ويرى كل منهما أنه أهل لأن يكون في هذا المكان، ولذلك ترى حالة هذا الوسط المصغّر الذي نتكلم عنه إما أن يكون الصراع قائمًا محتدمًا لفترة طويلة من الوقت حتى يهدي الله أحدهما أو كلاهما، أو أنك تجد أحدهما استطاع السيطرة على الموقف وقهر الآخر، فيضطر هذا الأخير للخروج من الساحة أو البقاء صامتا طيلة الوقت، ويكون ما بينهما من الضغينة والبغضاء الشيء الكثير.
أحيانا يكون السبب نفسي، تجد تفسير هذا السبب في بعض العبارات التي يطلقها البعض فتجده يقول: لا أرتاح لفلان ولا لكلامه، عندما يتكلم أريد أن أسد أذنيّ، عندما يأتي في المجلس أريد أن أفارقه بأقصى سرعة، لا أريد أن أقع له على أثر، ولا أرى له منظر، ولا أسمع له خبر وهكذا.. يجب أن لا تقف المسألة عند هذا الحد، بعض الناس يقولون: دام أننا وصلنا إلى هذا الحد فالشكوى لله. إذن اجتنب هذا الشخص ويذهب كل منكما في طريق. لكن المشكلة لم تحل، ولذلك ينبغي أن تحلل هذه المواقف. ما هو السبب وراء هذه القطيعة وهذا التنافر، أحيانا يكون السبب موقف حصل ونبنى عليه كره وبغضاء، أحيانا يكون الموقف أن شخصًا أخطأ في حق أحدهم، وبكن ينبني على هذا الخطأ خطأ أكبر منه وهو الكره الذي يحصل في نفس هذا المُخطأ عليه، أليس قد يحدث أو حدث لكل واحد منا مثلا في حياته الدراسية أنه في حصة من الحصص مثلا قد اختار المدرس طالبا من الطلاب لكي يقول رأيه في مسألة ما، يطرح موضوع ويطلب من أحد الطلاب أن يتحدث في هذا الموضوع، كل الطلاب يرفعون أيديهم وهو ينتقي: تكلم يا فلان. أليس قد حدث مرة من المرات أنك عندما تكون لست الشخص الذي يختارك المدرس للكلام في ذلك الموقف أن تحس أن هذا المدرس يقصدك وانه لا يريدك أن تتكلم عمدًا، ويكون في نفسك شيء من البغضاء لهذا المدرس، لماذا سمح لفلان وفلان بالكلام، ولم يفسح لي المجال؟ أليس قد يحدث هذا؟ قد يكون المدرس فعلا بهواه وميوله الذاتية أو الشخصية قد انتقى الناس الذين يميل إليهم وأفسح لهم المجال للكلام، وقد يكون إنسانا معذورًا جدا وأن الوقت المقرر لمناقشة هذا الموضوع في الحصة حقيقة وواقعًا لا يكفي ولا يستوعب كل طلاب الفصل ولذلك انتقى انتقاء عشوائي. وليس هناك سبب معين لأن يحرم طالب من الكلام، ولكن ذلك الطالب قد لا يكون عنده فقه في المسألة فيتصور أنه مقصدا ذلك فيعادي هذا المدرس ويكرهه، ويكون هذا الموقف الواحد سببًا في أن تتراكم الكراهية في نفس هذا الطالب وان يفسر كل التصرفات التي تحدث بعد ذلك من هذا المدرس على أنه مقصد فيها.
هذه صورة ولكن ما يحدث في واقع الأخوة في الله كثير جدًا في هذا الجانب، ولذلك نحن ندعو دائما ونقول للشباب إذا أحسوا بعض المواقف مما أذكره الآن فلا يترددوا في لحظة واحدة في إجراء عملية مهمة جدًا وهي المصارحة.
كثير من النفسيات في كثير من الأحيان تفضل تخزين المواقف ولا تصارح البتّة ولا تقول مطلقًا ماذا يعتلج في داخلها. كثير من الناس ليس عندهم منهج المصارحة، وبسبب فقدان هذه المصارحة فإنك تجد النقاط السوداء تتراكم في النفس حتى تكوّن بركانًا يمكن أن ينفجر في أية لحظة. والصحابة – رضوان الله عليهم – عندما نستعرض واقعهم نجد أن الأمر بينهم فيه مصارحة ومعاتبة، فتجد الواحد منهم لو صار بينه وبين أخيه شيء، جاء يعاتبه عما حصل، والآخر يعتذر إليه.
في كثير من الأحيان نحن نفتقد إلى المعاتبة والاعتذار، قد تحدث معاتبة ومصارحة وقد تواجه بخطأ آخر وهو عدم الاعتذار وعدم التبرير الواضح، وإذا لم يكن هناك تبرير واضح فمن أين تأتي الراحة، ولذا أوصيكم إخواني إذا وجد أحدكم شيئا في نفسه على أخيه، أن يبادر ولا يسكت؛ لأن الأثر يبقى في النفس والموضوع يبرد، وإذا برد فلن يتجرأ ولن يتحمس لفتح الموضوع مرة أخرى، ولكن النقطة السوداء بقيت في النفس، فالبدار البدار إلى المصارحة والمعاتبة.
بعض الناس قد يخجل من المصارحة، وخصوصا عندما يكون الشخص الذي يظن أنه أخطأ عليه أكبر منه سنّا. ويبدأ الكره ينبض في قلبه، ولا يستطيع أن يكلمه. ونجد أمثلة كثيرة جدًا لهذه النقطة بين بعض الآباء وبعض الأولاد. كثير من الأولاد عندما يجتمع أقرانه يبث إليهم شجونًا عظيمة ويفتح له صدره على مكنونا سوداء تجاه أبيه، لماذا لا يصارح الابن أباه، قد يكون لفارق السن يجد أنه لا يمكن أن يفاتح أباه، قد تكون شخصية الأب غير متفهمة، ولكننا في كثير من الأحيان نفتقد إلى الجرأة، ولو أننا مارسنا المصارحة أو المعاتبة مرة واحدة لكُسر ذلك الجدار من الخجل أو الهيبة.
ما موقفنا نحن من حالات التنافر؟ نحن قد نرى في الأوساط التي نعيشها_ في المدارس والجامعات والبيوت والمجالس – قد نرى حالات تنافر مختلفة..ما موقفنا من هذه الحالات؟ من الإنجازات العظيمة أن تؤلف وتوفق وتقرّب بين اثنين متنافرين؛ لأن المسألة صعبة جدا أن توفق بين اثنين متنافرين، والله عز وجل قال لرسوله – صل الله عليه وسلم – ' وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم' سورة الأنفال – آية63.
ولذلك المرتزقة الذين يقاتلون في كثير من الصراعات التي تدور في العالم ضد الإسلام، حقيقة ليسوا بمؤتلفين قلبيّا، ربما لو قتل صاحبهم بجانبه لا يتأسف عليه؛ لأن المهم أن يستلم الارتزاق الذي زعمه، ولكن الأخوة في الله – في المجتمع المسلم – ليس فيها شيء من هذا.
أولا: نجد في الإسلام أشياء تساعد على التقريب بين المتنافرين، مثلا وضح رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح أنه ليس من الكذب أو الفساد أو الإثم أن تكذب للإصلاح بين المتخاصمين، فمثلا: لو جاءك شخص وقال لك أنا أكره فلانا كرها شديدا لأن بلغني أنه تكلم عني في المجلس الفلاني وقال عني كذا وكذا، عندئذ يمكنك في هذه الحالة شرعا أن تقول له – وكنت قد حضرت المجلس – لا يا أخي ليس بصحيح، أنا كنت موجودا في المجلس وصحيح أن فلان تكلم بكلام ولكن ليس مثل ما تقول أنت والذي نقل الكلام لك نمّام ويريد الإفساد بينكما. طبعا ينبغي أن ننتبه لأمور،
الأمر الأول: أن يكون الإنسان حكيما عندما يكذب للإصلاح بين المتخاصمين، لأن بعض الناس مثلا يُعاب في المجلس ويأتيه ثلاثة أو أربعة أشخاص ويقولون له: فلان قال انك بخيل ( على سبيل المثال )، ليس من الحكمة هنا أن تقول : لا يا أخي فلان ما ذكر كلمة بخيل مطلقا بل قال عنك أنك كريم. هذه الكذبة ليس فيها حكمة. أيضا بعض الناس قد يلجئون إلى أساليب خصوصا في أوساط الطلاب، مثل إشراك الطرفين المتخاصمين في أمر واحد وهو ليس دائما تهيئة للأجواء الطيبة، بل قد يكون الكره الذي بينهما شديدا لدرجة انك لو جمعتهما في مناسبة واحدة لازداد الخطب وعظُم، وكل واحد منهما يكظم غيظا وهو ساكت، ولكنه يغلي من الداخل، لأنه بقرب فلان. ولكنني أذكر لكم مثالا واقعيا: هناك طريقة حصلت للإصلاح بين متنافرين كان لها أثر واقعي فعلا، حصل بين زيد وعمرو من الناس خصام وكره، فقال المدرس لكلا الطالبين: ليأخذ كل منكما سيارة الآخر، وفعلا استجابا للطلب لأنه من شخص أعلى منهما منزلة، فأخذ كل منهما سيارة صاحبه، هذا العلاج ليس فيها جمع للنقيضين في مكان واحد وطلب من كل منهما أن يعملا نفس العمل، وإنما هو أن يشتركا في شيء وكل منهما بعيد عن الآخر.
أيها الإخوة: نحن نحتاج في علاج القضايا الشائكة إلى خبرة في النفوس، وهذه الخبرة لا تأتي إلا بالممارسة والاحتكاك بالواقع، والمسألة تحتاج إلى انتباه وتركيز للاستفادة مما يدور.
الناس أنواع بعضهم ينظر في الواقع فيستشف بعض الأمور ويربط بينها ويحللها، وبعض الناس لا يهمه ما يدور في الواقع أبدا. من الطرق أيضا : الموعظة، عندما تعظ كل واحد من هذين المتخاصمين بالأحاديث التي فيها ذم الهجران والقطيعة، وأنها من أسباب الفشل في المجتمع المسلم، قال تعالى: ' ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم' سورة الأنفال – آية 46.
وحديث عائشة – رضي الله عنها – في صحيح البخاري، حديث قيّم، لما صار بينها وبين عبد الله بن الزبير: أن عبد الله بن الزبير انتقد على خالته عائشة – رضي الله عنها – تصرفا تصرفته في بيع أو شراء، فاتهمها بأنها لا تحسن التصرف، فلما سمعت بذلك نذرت ألا تكلم عبد الله بن الزبير أبدًا طيلة حياتها، الصحابة بشر و يعتلج في نفوسهم مثلما يعتلج في نفوس بقية الناس، ولكن سنعلم من ثنايا هذه القصة ما هو الفرق بيننا وبين الصحابة، بقيت عائشة – رضي الله عنها – لا تكلم عبد الله بن الزبير مدة من الزمن وطال الأمر، وشق على عبد الله بن الزبير أن لا تكلمه خالته أم المؤمنين، فتوسط لدى اثنان من الصحابة أن يدخلاه على خالته، فجاء إلى عائشة وعبد الله مختبئ خلفهما، فاستأذنا فلما عرفتهما عائشة قالت: أدخلا، قالا: كلنا؟ فقالت: كلكم، فلما دخلا عليها جعلا يعظانها ويذكرانها وأنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، وجعل عبد الله بن الزبير يقبلها ويبكي ويناشدها أن تكلمه، وكان موقفا مؤثرا جدا اجتمعت فيه الموعظة مع التواصي، فكلمته عائشة وعتقت كفارة النذر، وكانت كلما تذكرت نذرها ذلك تبكي حتى تبل دموعها خماره.
الصحابة – رضوان الله عليهم – رجّاعين للحق ويتأثرون من تذكر الذنب أو الخطأ، لكن من منّا اليوم لو حصل بينه وبين أخيه قطيعة وتصالح معه كلما تذكر أيام الفرقة والهجران بكى حتى تبتل لحيته أو ثوبه أو حتى تسيل دموعه على خديه.
فإذن لابد من الموعظة والتواصي بالحق والصبر لجميع الأطراف، ولابد أن يأتي كل منهما إلى الآخر، لأن المشكلة أحيانا تكون في من يأتي للآخر ومن يبدأ، فالشيطان يسوّل لكل واحد منهما بأنه إن بدأ بالمصالحة فإن ذلك يدل على ضعفه.
أكتفي بهذا القدر من أسباب التنافر وعلاج قضية التنافر التي تحدث أحيانا بين أفراد المجتمع الواحد.
وأنتقل إلى مسألة أخرى وهي مسألة التجاذب.
التجاذب ظاهرة أخرى توجد بين أفراد الوسط الواحد، ولكي نختصر الكلام أقول أنه في بعض الأحيان تكون قضية التجاذب أخطر في نتائجها من قضية التنافر. قد يستغرب البعض هذا الكلام، ولكن دعونا نستعرض معكم ونحلل ما هي أنواع التجاذب التي تحصل بين الأفراد في المجتمع الواحد. النوع الأول: قد تكون هذه العلاقة علاقة أخوة في الله مبنية على الإيمان الصادق وهذا ه المطلوب وهو الهدف. النوع الثاني: علاقة بين اثنين أو أكثر يجمعهما مصلحة أو منفعة مادية كالغنى أو التفوق الدراسي.. الخ النوع الثالث: علاقة ارتياح تقتضيه المشابهة في الطباع. فتجد مثلا اثنين من الناس بينهما علاقة حميمة وتقارب، السبب في ذلك ارتياح شخصي بسبب تشابه في الشخصية أو وجود بعض الطباع المتشابهة. هذه المشابهة أحيانا تسبب علاقة فتجد أن هذين الاثنين دائما مع بعضهما لمجرد تشابه في الظاهر، لا لأن هناك أخوة إيمانية أو هناك إيمان يربط كل منهما بالآخر، وإنما هي مسألة مشابهة في الشكل العام أم مجموعة من الأشياء العامة في حياة كل منهما. النوع الرابع: علاقة معصية والعياذ بالله، تجمعهم المعصية فيشاهدان المحرمات مع بعضهما البعض، ويستمتعان بها ويأتيانها كالسفر إلى الخارج لقضاء الوقت في الأمور المحرمة وعصيان الله ومبارزته ومحادته بأنواع الكبائر، وقد يكون الأمر بينهما أدهى وخطر من ذلك إلى درجة أن يقع كل منهما في الفاحشة بالآخر. هذا النوع من أسوأ أنواع العلاقات، لأن كل منهما يزين المعصية للآخر ويتعاونان عليها، والله سبحانه وتعالى يقول: 'ولا تعاونوا على الإثم والعدوان' سورة المائدة – آية 2، والناس من هذا النوع كثيرين جدا في المجتمع، والروابط التي تربط كل منهما بالآخر هي من أجل التعاون على المعصية وتبادل وسائلها. النوع الخامس: علاقة قد تكون أخطر من النوع السابق، وهي علاقة العشق والتعلق لدرجة انه يحبه مع الله، ولدرجة تصل إلى صرف أنواع العبادة لهذا الشخص. وهذه مشكلة تنشأ بسبب دوافع كثيرة تكون بدايتها بسيطة ولكنها تنمو وتعظم حتى تصبح العلاقة بين هذين الاثنين علاقة بحيث أن كل واحد منهما لا يستطيع أن يغيب الآخر عن ناظريه أبدا، فلابد أن ينظر إليه دائما وأن يتصل به باستمرار، وقد يكلمه الساعات الطوال هاتفيا يوميا، والأدهى من ذلك أنه يفكر فيه في صلاته، وعندما يقول إياك نعبد وإياك نستعين ليس فكره مع الله ولكن مع ذلك الشخص، وكأنه الهواء الذي يستنشقه وانه لو غاب عنه لحظة واحدة يتألم جدا للفراق حتى يعود إليه، وهذا النوع من التعلق الشديد، له درجات قد تكون في بعضها وفي نهايتها شرك أكبر. وهنا نعود إلى حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ' وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ' نفي ثم استثناء من أقوى أساليب اللغة، لأن القضية موجودة بين العباد فعلا – علاقات محبة بين العباد – ولكنها ليست لله، وهي كثيرة ومتنامية، وكثيرا ما تكون مدمرة على بعض الأطراف أو جميعها، وقد تفتن تجمعا إسلاميا بأكمله؛ لأنها مرض معدٍ في كثير من الأحيان تحتاج إلى وقفات صارمة من جميع الأطراف، وقد ذكر ابن القيم – رحمه الله – في كتابه العظيم الجواب الكافي: فإذا كان الأمر لابد له أن يبتعد أحدهما عن الآخر حتى يضطر أن يسافر إلى بلد آخر بحيث لا يرى صاحبه ولا يقع له على خبر ولا على حس ولا أثر فإنه يفعل ذلك ابتغاء السلامة في الدين. إذن نحتاج لمزيد من الوعي والاطلاع والإخلاص قبل كل شيء حتى نصفي مشاكلنا كلها وحتى نصل لمجتمع إسلامي نظيف جدا خالي من الشوائب، وإلا فكيف ينصر الله قومًا قد تناوشتهم الشياطين من كل جانب، وانتشرت فيهم أنواع الفواحش والمنكرات!! وقد قال الله سبحانه: ' ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ' سورة الروم – آية 41. فالكوارث التي يعاني منها العالم اليوم بمختلف أنواعها والأمراض المنتشرة التي لم تكن موجودة من قبل، كل ذلك ببعد الناس عن شرع الله ودينه ومنهجه سبحانه.
أيها الإخوة لو أن منهج الله مطبق في الأرض الآن لما وجدتم هذه الكوارث والمصائب، ولذلك عندما ينزل المسيح بن مريم ويكون معه خليفة الله ويطبقان منهج الله ، لا تكون هناك كوارث حتى يصبح الذئب مع الغنم وكأنه كلبها الحارس، ويستظل الناس بقحف الرمان، من أين أتت البركة، إنه تطبيق منهج الله في الأرض.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يحل حلاله ويحرم حرامه ويؤمن بكتابه ويطبق شرع الله في نفسه ويحكّم قانون الله في الأرض، ونسأله عز وجل أن يصلح نياتنا وذرياتنا.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وصلى الله على نبينا محمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق